04/30/2026 | Press release | Distributed by Public on 04/30/2026 13:36
قالت ريهام عزمي، وهي من المسافرين الذين يستقلون قطار بنها-القاهرة يومياً: "كل صباح، حين أصعد إلى القطار، أشعر وكأن يومي يبدأ بالفعل على الطريق الصحيح. فعلى مدى عشر سنوات من التنقل بين بنها والقاهرة، كانت تأخيرات القطارات ومخاوفي المتعلقة بالسلامة تستنزف طاقتي قبل الوصول إلى عملي. أما اليوم، فقد أصبحت القطارات أكثر التزاماً بمواعيدها، والمحطات أكثر أماناً، لا سيما مع زيادة عدد حارسات الأمن، مما يساعدني على بدء يوم عملي بهدوء وتركيز ونشاط."
وأضافت: "وبحكم إقامتي في بنها وعملي في القاهرة، أعتمد على هذه الرحلة بشكل يومي. ولولا توافر قطارات آمنة وموثوقة، لما تمكنت من الوصول إلى عملي."
بالنسبة لمسافرين مثل ريهام، لا تمثل السكك الحديدية مجرد وسيلة نقل، بل هي وسيلة حيوية لا غنى عنها، تُمكّنهم من الوصول إلى فرص العمل والتعليم، مع الحفاظ على استقرار حياتهم الأسرية. ففي كل يوم عمل، يعتمد أكثر من مليون مصري على القطارات للوصول إلى وظائفهم وجامعاتهم ومراكز الخدمات الأساسية. وقبل أعمال التطوير الأخيرة، واجه كثير من الركاب-ولا سيما النساء-مصاعب وتحديات متكررة تمثلت في عدم انتظام المواعيد، وضعف الإضاءة داخل المحطات، ورحلات مرهقة كانت تؤثر سلباً على مجريات يومهم بأكمله. ويأتي مشروع تطوير وسلامةسكك حديد مصر ، الممول من البنك الدولي بقيمة 440 مليون دولار، ليسهم في تغيير هذه التجربة، من خلال جعل الرحلات أكثر أماناً، وانضباطاً، ومراعاةً للجميع، وخاصة، المرأة وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.
تُعدّ خدمات السكك الحديدية الموثوقة عنصراً محورياً في دعم النمو الشامل. فمن خلال تطوير قطاعات رئيسية على امتداد خط الإسكندرية-القاهرة-نجع حمادي، يدعم المشروع الوصول إلى فرص العمل وبرامج التدريب والأسواق، إلى جانب خفض تكاليف النقل. وبالنسبة للنساء-اللاتي غالباً ما يقمن بتنقلات يومية متعددة بين العمل ومسؤوليات الرعاية الأسرية-يسهم تحسين الإضاءة، ووضوح اللوحات الإرشادية، وتقليص مسافات السير داخل المحطات في توفير الوقت وتعزيز الشعور بالراحة والأمان. وتؤكد ريهام أن الفارق بات واضحاً؛ فبدلاً من الوصول إلى عملها وهي منهكة، أصبحت تبدأ يومها وتنهيه بطاقة أكبر، تُمكّنها من أداء مهامها بكفاءة والاستمرار في رعاية بناتها.
يضع المشروع تعزيز شعور المرأة بالأمان في صميم أولوياته، إدراكاً منه أن ضعف الربط بين خدمات وسائل النقل المختلفة يضيف أعباءً إضافية من حيث التكلفة والوقت والقلق-وهي تحديات تتحمّل النساء عبئها الأكبر.ولمعالجة ذلك، يعمل المشروع على تحسين الإضاءة داخل المحطات، وتوضيح مسارات الحركة، وزيادة التواجد الأمني، إلى جانب التوسع في تعيين حارسات الأمن لبث المزيد من الطمأنينة في نفوسهن. وتشير العديد من السيدات إلى أن هذه الإجراءات شجّعتهن على الإبلاغ عن أي مخاوف أو طلب المساعدة، في بيئة باتت أكثر طمأنينة ودعماً. ويأتي هذا الجهد مكمّلاً لمبادرة "السكة أمان" التي أطلقتها الهيئة القومية لسكك حديد مصر، والتي تهدف إلى رفع الوعي بمنع المضايقات والتصدي لها، وتعزيز السلوكيات المسؤولة داخل وسائل النقل العام.
ولا يقتصر أثر المشروع على تحسين البنية التحتية، بل يمتد ليشمل تغيير مؤسسي مستدام في أسلوب العمل والتشغيل داخل الهيئة القومية لسكك حديد مصر. ويُعد الانتقال من أنظمة الإشارات الميكانيكية التقليدية إلى أنظمة إلكترونية حديثة محوراً أساسياً في هذا التحول. وقد خضع العاملون لبرامج تدريبية موسعة على أنظمة الإشارات والاتصالات الجديدة، جمعت بين التدريب النظري والتطبيق العملي عبر المحاكاة، بهدف تعزيز قدراتهم على رصد المخاطر مبكراً والتعامل معها بشكل سريع ومنظم. ورغم ما تحقق من تحسن ملموس في الوقاية والموثوقية، فإن هذا التطور يمثل خطوة ضمن مسار تحديث مستمر، يتطور مع تقدم الأنظمة وارتفاع كفاءة الكوادر البشرية.
جدير بالذكر أن المشروع أسهم، خلال فترة تنفيذه، في توفير أكثر من ألفي فرصة عمل مباشرة عبر المقاولين والمقاولين من الباطن. غير أن أثره الأوسع يتمثل في فرص العمل غير المباشرة التي أتاحها، من خلال تحسين الانتظام اليومي في الوصول إلى أماكن العمل والمدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية والأسواق لأكثر من مليون راكب في كل يوم عمل، من بينهم آلاف السيدات اللاتي تعتمد مشاركتهن في سوق العمل على توافر وسائل نقل آمنة ودقيقة في مواعيدها.
وفي هذا السياق، يقول المهندس محمد مصطفى، رئيس قسم التحكم المركزي في حركة القطارات: "لم تُغيّر أنظمة الإشارات الجديدة أدواتنا فحسب، بل غيّرت أيضاً طريقة تفكيرنا. فقد أتاح لنا التدريب فهماً أعمق لكيفية استخدام أنظمة التحكم والاتصالات الجديدة، وكيفية اكتشاف المخاطر مبكراً، والاستجابة للمشكلات قبل أن تؤثر على الركاب. وحتى الخطأ البسيط قد يعرّض الأرواح للخطر، لذا نلتزم بتنفيذ جميع الإجراءات بأعلى مستويات الدقة والحذر."
ويوضح المهندس محمد مصطفى أن الأنظمة الجديدة عززت قدرات المتابعة الفورية وسرّعت وتيرة التواصل والتنسيق. ويستحضر في هذا السياق واقعة تداخل في الإشارات حدثت مؤخراً نتيجة عوامل خارجية، وكان من شأنها التسبب في اضطراب ملحوظ بحركة القطارات. إلا أن فريق العمل، مستفيداً من التدريب الذي تلقّاه، تمكن من تحديد الخلل بسرعة، وإعادة انتظام الحركة، ومنع وقوع أي أضرار. وتبرز هذه الواقعة كيف تسهم الأنظمة المطوّرة، إلى جانب ترسيخ ثقافة السلامة، في تحسين سير العمليات اليومية، مع التأكيد في الوقت ذاته على أهمية اليقظة المستمرة، والتدريب المتواصل، والاستثمار طويل الأمد-إذ لا يمكن لأي شبكة نقل القضاء على المخاطر تماماً، غير أن الجهود المستدامة قادرة على الحد منها بشكل كبير.
وقد بدأ الركاب يلمسون هذه التحسينات على أرض الواقع؛ إذ أسهمت أنظمة الإشارات الحديثة ومراكز التحكم المركزي في تقليص احتمالات الخطأ البشري وضمان انتظام مواعيد القطارات. كما أصبحت المحطات أكثر أماناً وأسهل في التنقل داخلها، بفضل تحسين الإضاءة، ووضوح اللوحات الإرشادية، والتواجد الملحوظ لأفراد الأمن. وتعكس انطباعات الركاب-لا سيما النساء وكبار السن والطلاب-هذا التحسن، حيث أكدوا شعورهم المتزايد بالثقة والأمان عند استخدام شبكة السكك الحديدية.
وسعياً لضمان استدامة هذا التحسن، أطلق المشروع آليةً واضحةً لتلقي الشكاوى، تتيح للركاب طرح آرائهم وملاحظاتهم وتتبع الرد عليها. ومن خلال تشجيع عدد أكبر من المواطنين على التحول من استخدام السيارات الخاصة والميني باص إلى السكك الحديدية، يسهم المشروع في تخفيف حدة الازدحام، وخفض استهلاك الوقود، والحد من الانبعاثات الكربونية على أحد أكثر الخطوط كثافة وحيوية في مصر.
إن غياب الأمن والسلامة في وسائل النقل والمواصلات يمثل عائقاً رئيسياً أمام مشاركة المرأة في قوة العمل، التي تبلغ معدلاتها حالياً نحو 20%. فعندما تتوفر وسائل نقل ومواصلات آمنة ومنضبطة، تزداد قدرة المرأة على الالتحاق بوظائف بعيدة عن محل إقامتها، والمشاركة في البرامج التدريبية، والعمل في نوبات مختلفة دون تخوف أو أعباء إضافية. وفي هذا الإطار، تعمل الهيئة القومية لسكك حديد مصر على تعزيز دور المرأة في الوظائف الفنية والميدانية، مما يسهم في خلق بيئة عمل أكثر شمولاً والارتقاء بمستوى خدمة الركاب.
تجدر الإشارة إلى ارتفاع معدلات انتظام مواعيد القطارات على هذا الخط من 75% إلى 90%، لتصل إلى 95% في الخطوط الأكثر كثافة. كما يسهم النظام الحديث للتحكّم الإلكتروني في مسارات القطارات - المطبق حالياً في معظم قطاعات هذا الخط - في جعل الرحلات أكثر سلاسة وموثوقية؛ بما يدعم الأهداف الشاملة لمصر الرامية إلى التوسع في النقل الأخضر المستدام وتيسير الوصول إلى الخدمات والفرص الاقتصادية.
يُعد تحديث شبكة السكك الحديدية الوطنية مساراً طويلاً، فالأنظمة الحديثة تقتضي تطبيقاً تدريجياً ومستداماً، كما تحتاج الممارسات التشغيلية إلى تعزيز مستمر، مع ترسيخ مبدأ أن السلامة مسؤولية مشتركة. وبينما يؤدي التحديث إلى رفع مستوى الوقاية من المخاطر والاستجابة لها، يبقى التشغيل الآمن رهناً بالاستثمار المستمر دعماً لهذا التوجه، وانضباط عمليات التشغيل، والتدريب الدوري للكوادر. إن تحديث السكك الحديدية عملية طويلة الأمد، وليس مجرد إنجاز لمرة واحدة. وبالنسبة للركاب - لا سيما النساء - فإن هذه التحسينات لا تقتصر على تيسير التنقل فحسب، بل تعزز أيضاً فرص العمل والتعليم، وتفتح آفاقاً جديدة أمام الجميع.